الشيخ محمد جواد البلاغي

53

الهدى إلى دين المصطفى

الإنجيل لم يكن مبنيا على البلاغة ، والقرآن المبني على البلاغة قد جاء فيه التكرار الكثير . . قلنا أولا : حاصل هذا الكلام إن التكرار الفارغ لا يضر في الإنجيل لأنه غير مبني على البلاغة . وثانيا : إنه لم يتكرر في القرآن الكريم إلا ما كان مقتضى الحال موجبا لتكراره ، فكيف ترى التكرار الذي اعترض عليه المتعرب ( ذ ص 85 ) وذلك في قوله تعالى في سورة المائدة 94 ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا ) . فإن نفي الجناح في المطعوم وعدم لحوق الوبال منه إنما يتم بالنسبة إلى هؤلاء الثابتين الدائبين على الإيمان والعمل الصالح والتقوى والاحسان ، فكم من مؤمن عمل صالحا ثم جره الشره والانهماك في الطعام إلى سوء الظن بالله وعدم التوكل عليه ، ومنته نفسه الأمارة وحرصه أن يستزيد رزقه بتدبيره ، وكم من مؤمن عمل صالحا ثم جره الشره إلى مخالفة التقوى والورع بالإغماض والتساهل في مطالب رزقه ، وكم من مؤمن عمل صالحا واتقى مدة ثم جره الشره والاعتياد على ملاذ المطعم إلى الإقدام على كسب الحرام . وكم من مؤمن عمل صالحا واتقى قد أدى به الشره والانهماك بلذة المطعم إلى العجز والتثاقل عن العبادة والعمل الصالح واكتساب الفضائل الروحانية ، فإن تكلف شيئا من ذلك جاء به صورة مشوهة وجسما بلا روح . وكم من هؤلاء من جره الشره إلى الإسراف المحرم والإكثار المضر ببدنه فضلا عن دينه ، وكم وكم جرهم الشره إلى الشح وذمائم الأخلاق والتعطل من زينة الإحسان . ولكن أغلب الناس يقولون : لسنا من هؤلاء والحمد لله فلا يسلم الطاعم من الجناح والوبال إلا إذا تأدب بأدب الآية الكريمة ( وقليل ما هم ) ، ولا يحسن نفي الجناح إلا مع هذا التأكيد في الثبات والدوام على الإيمان والعمل الصالح والتقوى والاحسان فإن القرآن الكريم لم تجر تعاليمه على الفداء والمغالطة بكفاية اسم الإيمان